السيد كمال الحيدري
279
اللباب في تفسير الكتاب
لا يقال : إنّ مجرّد الكشف عن التنزّه لا يسمّى تسبيحاً حتّى يقارن القصد ، والقصد ممّا يتوقّف على الحياة ، والحياة تستلزم العلم والقدرة ، والمفروض أنّ أغلب هذه الموجودات عادمة للحياة ، كالأرض والسماء وأنواع الجمادات ، فلا محيص من حمل التسبيح على المجاز ، فيكون المراد من تسبيحها دلالتها بحسب وجودها على تنزّه ربّها . فإنّه يقال : إنّ في هذا الكلام خلطاً بين كون الموجودات مسبّحة بحمده تعالى وبين كونها آيات دالّة عليه سبحانه . بيان ذلك : أنّه كما أنّ عند كلّ من هذه الأشياء شيئاً من الحاجة والنقص عائداً إلى نفسه ، كذلك عنده من جميل صنعه ونعمته تعالى شئ راجع إليه تعالى موهوب من لدنه ، وكما أنّ إظهار هذه الأشياء لنفسها في الوجود إظهار لحاجتها ونقصها وكشف عن تنزّه ربّها عن الحاجة والنقص ، وهو تسبيحها ، كذلك إبرازها لنفسها إبراز لما عندها من جميل فعل ربّها الذي وراءه جميل صفاته وأسمائه تعالى ، فهو حمدها ، فليس الحمد كما تقدّم إلّا الثناء على الجميل الاختياري ، فهي تحمد ربّها كما تسبّحه . بتعبير آخر : إذا لوحظت الأشياء من جهة كشفها عمّا عند ربّها بإبرازها ما عندها من الحاجة والنقص مع ما لها من الشعور والعلم بذلك ، كان ذلك تسبيحاً منها . وإذا لوحظت من جهة كشفها ما لربّها بإظهارها ما عندها من نعمة الوجود وسائر جهات الكمال ، فهو حمد منها لربّها . وإذا لوحظ كشفها ما عند الله سبحانه من صفة جمال أو جلال مع قطع النظر عن علمها وشعورها بما تكشف عنه ، كان ذلك دلالة منها عليه تعالى وهى آياته . ولعلّ خير شاهد على أنّ المراد من كونها مسبّحة بحمده ليس مجرّد دلالتها عليه تعالى بنفي الشريك وجهات النقص ، هو قوله تعالى : ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) فإنّه إمّا خطاب للمشركين وإمّا للناس أعمّ من المؤمن والمشرك ،